محمد الغزالي
74
خلق المسلم
وهذا مصداق قوله تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ، وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ « 1 » . * * * والإخلاص يسطع شعاعه في النفس ، أشد ما يكون تألقا في الشدائد المحرجة ، إن الإنسان عندها ينسلخ من أهوائه ، ويتبرأ من أخطائه ، ويقف في ساحة اللّه أوّابا ، يرجو رحمته ويخاف عذابه . وقد صور القرآن الكريم فزع الإنسان عند الحيرة ، وانقطاعه إلى ربه يستنجد به ، ليخرجه من مأزقه الذي وقع فيه : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ، ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ « 2 » . إن هذا الإخلاص حال طارئة . والأحوال التي تنتاب المرء وتفارقه ليست خلقا ، واللّه تبارك وتعالى يريد من الناس أن يعرفوه حق المعرفة ، وأن يقدروه حق قدره ، في السراء والضراء جميعا وأن يجعلوا الإخلاص له مكينا في سيرتهم فلا تهي صلتهم به ، ولا يقصدون بعلمهم غيره . وحرارة الإخلاص تنطفىء رويدا رويدا ، كلما هاجت في النفس نوازع الأثرة وحب الثناء ، والتطلع إلى الجاه وبعد الصيت ، والرغبة في العلو والافتخار . . وذلك لأن اللّه يحب العمل النقي من الشوائب المكدرة . أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ « 3 » . وطبيعة الفضيلة كطبيعة الثمرة الناضجة ، يجب لسلامتها والإبقاء على نظافتها وحلاوتها ، أن تكون خالية من العطوب والآفات . وقد أعلن الإسلام كراهيته العنيفة للرياء في الأعمال الصالحة ، واعتبره شركا باللّه رب العالمين . والحق أن الرياء من أفتك العلل بالأعمال . وهو إذا استكمل أطواره
--> ( 1 ) البينة : 5 ( 2 ) الأنعام : 63 - 64 . ( 3 ) الزمر : 3 .